شريط الأخبار

الأُضْحِيَةُ وَالأَضْحَى دَلِيلُ الاسْتِسْلَامِ وَعَهْدُ إِبْرَاهِيمَ

د. ناصر محمد معروف - خطيبٌ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ منذ 0 ثانية 2897

قَالَ اللهُ تَعَالى‏: ﴿‏‏وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النِّسَاء:125]، وَيَوْمُ الأَضْحَى يُذَكِّرُنَا بِالسِّرِّ الذِي قَرَّبَ نَبِيَّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مِنْ رَبِّهِ حَتَّى أَصْبَحَ خَلِيلاً، بَلْ هُوَ النَّبِيُّ الوَحِيدُ الذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ بِأَنَّهُ وَفَّي، فَقَالَ تَعَالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى﴾ [النَّجْم:37]، وَالسِّرُّ هُوَ: هَذَا الاسْتِسْلَامُ الكَامِلُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالذِي سَمَّانَا اللهُ مِنْ أَجْلِهِ مُسْلِمِينَ.

وَ(المُسْلِمُ): هُوَ المُسْتَسْلِمُ للهِ تَعَالَى اسْتِسْلَامًا كَامِلاً فِي تَنْفِيذِ أَمْرِهِ وَالانْتِهَاءِ عَنْ نَهْيِهِ، فَهُوَ الذِي لَا يُؤْمَرُ بِأَمْرٍ إِلَّا سَارَعَ فِي تَنْفِيذِهِ سَوَاءٌ وَافَقَ هَوَاهُ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ النَّهْيِ، فَلَا يُسْتَنْهَى عَنْ نَهْيٍ إِلَّا سَارَعَ فِي الانْتِهَاءِ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ "الاسْتِسْلَامُ" الإِسْلَامُ الحَقِيقِيُّ، وَنَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ كَانَ لَا يَتَوَانَى فِي تَنْفِيذِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَا يَضَعُ أَمْرَ اللهِ وَنَهْيَهُ فِي مِيزَانِ التَّفْكِيرِ لِيَرَى أَيْنَ المَصْلَحَةُ فِيهِ، هَلْ بِتَرْكِهِ أَمْ بِتَنْفِيذِهِ؟!.

وَمَعَ اسْتِجَابَةِ نَبِيِّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ الكَامِلَةِ جَاءَهُ الأَمْرُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ لَا بِأَمْرٍ مُبَاشَرٍ؛ إِنَّمَا عَنْ طَرِيقِ الرُّؤْيَا، وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ الاخْتِبَارِ، فَلَوْ عُرِضَ هَذَا الأَمْرُ عَلَى أَحَدٍ فَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَضَعَ هَذَا الأَمْرَ وَيَزَنَهُ وَيُفَكِّرَ فِيهِ مِرَارًا قَبْلَ تَنْفِيذِهِ، إِلَّا أَنَّ نَبِيَّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُفَكِّرْ وَسَارَعَ فِي تَنْفِيذِ الأَمْرِ وَخَاطَبَ ابْنَهُ فَوْرًا، قَالَ تَعَالى عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصَّافَّات:102].

وَالْغَرِيبُ أَيْضًا كَيْفَ اسْتَطَاعَ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُرِبِّيِ وَلَدًا يَتَلَذَّذُ فِي تَنْفِيذِ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ ذَبْحَهُ، قَالَ تَعَالى عَلَى لِسَانِ الغُلَامِ إِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصَّافَّات:102].

فَنَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ؛ نَاهِيكَ عَنْ أَنَّهُ قِمَّةٌ فِي الاسْتِسْلَامِ للهِ؛ فَقَدْ نَجَحَ فِي تَرْبِيَةِ مَنْ يَعُولُ؛ بِأَنْ جَعَلَهُ أَيْضَاً قِمَّةً فِي الاسْتِسْلَامِ للهِ سُبْحَانَهُ، وَالسُّؤَالُ: أَلَا يَحِقُّ لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ اللهُ خَلِيلاً، أَيْ: مُسْتَغْنِياً عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ، وَلَا يَحْتَاجُ وَيَطْلُبُ إِلَّا مِنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؟

لِذَلِكَ كَانَتِ الآيَةُ بِأَنَّ أَحْسَنَ دِينٍ هُوَ: أَنْ تَسْتَسْلِمَ للهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ نَوَّهَ إِلَى مَنْزِلَةِ نَبِيِّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ؛ لِيُشِيرَ إِلَيْكَ بِأَنَّ الطَّرِيقَ لِأَنْ تَكُونَ قَرِيبًا مِنَ اللهِ يُعْطِيكَ كُلَّ مَا تُرِيدُ، هُوَ: طَرِيقُ الاسْتِسْلَامِ الكَامِلِ إِلَى اللهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ حَاجَتَكَ مِنَ البَشَرِ وَتَتَوَجَّهَ بِكُلِّيَّتِكَ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَلَا تَطْلُبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا تَلْجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ؛ كَمَا لَجَأَ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ إِلَى رَبِّهِ عِنْدَمَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ.

وَالْعَبْدُ الصَّادِقُ فِي اسْتِسْلَامِهِ يُجَدِّدُ هَذَا العَهْدَ مَعَ اللهِ كُلَّ عَامٍ فِي أَيَّامِ العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَيَخْتِمُ هَذَا العَهْدَ بِتَقْدِيمِ الأُضْحِيَّةِ للهِ تَعَالى، وَكُلُّ ذَلِكَ يَفْعَلُهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

فَتَقْدِيمُ الأُضْحِيَّةِ كُلَّ عَامٍ يُؤَكِّدُ تَجْدِيدَ العَبْدِ عَهْدَهُ مَعَ رَبِّهِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وَمِلَّتِهِ مُسْتَسْلِمًا لِأَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، وَأَنَّهُ يُقَدِّمُ الأُضْحِيَةَ وَيَتَقَرَّبُ بِهَذَا الدَّمِ مُذَكِّرًا أَنَّهُ يَجُودُ مِنْ أَجْلِ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى لَوْ كَانَ وَلَدَهُ، فَيَحْمَدُهُ وَيَشْكُرُهُ أَنْ عَوَّضَهُ تَقْدِيمَ هَذِهِ الأُضْحِيَةِ عَلَى ذَبْحِ الوَلَدِ؛ فَهِيَ قُرْبَانٌ نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لِنُثْبِتَ بَقَاءَنَا عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّنَا مُسْلِمُونَ مُسْتَسْلِمُونَ للهِ تَعَالى.

مقالات مشابهة

الأُضْحِيَةُ وَالأَضْحَى دَلِيلُ الاسْتِسْلَامِ وَعَهْدُ إِبْرَاهِيمَ

منذ 0 ثانية

د. ناصر محمد معروف - خطيبٌ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

عِلْمُ النَّفْسِ النَّحْوِيُّ!

منذ 1دقيقة

أ‌. محمد علي عوض - خطيبٌ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

حَتْمِيَّةُ مُواجَهَةِ التَّطَرُّفِ الفِكْرِيِّ

منذ 1دقيقة

د. نمر أبـو عـــون - خطيب بوزارة الأوقاف

ما حكم الأكل والنوم في المسجد؟

منذ 3 دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الأُضْحِيَةُ وَالأَضْحَى دَلِيلُ الاسْتِسْلَامِ وَعَهْدُ إِبْرَاهِيمَ

منذ 0 ثانية2897
مشروع سفينة النجاة التثقيفية للأخوات رائدات المساجد

منذ 1دقيقة3553
عِلْمُ النَّفْسِ النَّحْوِيُّ!

منذ 1دقيقة2688
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi